محمد أبو زهرة
2080
زهرة التفاسير
فهم غيروا معاني الكتاب الذي أنزل وأبعدوه عن معانيه التي قصدت من سوقه ، وأريدت من شرعه ، وهم غيروا وبدلوا في عباراته حتى تذهب تكاليف الكتاب وتطمس معالم أحكامه ، ومن ذلك مثلا أنه جاء في كتبهم تحريم الربا بمثل هذا الكلام ( أخاك لا تقرض بالربا ) فزادوا كلمة الإسرائيلى : ( أخاك الإسرائيلى لا تقرض بالربا ) وبذلك تغير المعنى تغيرا جوهريا ، والكلم : المراد بها الكلام ، فهو اسم جمع يدل على الجمع بحذف التاء ، كشجر وشجرة ، وتمر وتمرة . وجاء قوله تعالى : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ثمرة لقسوة القلوب والطرد بالضلال ؛ وذلك لأنهم لما ضلوا وفسدت قلوبهم واختلط فيها الزيف بالجوهر حتى غلب الزيف ، ماتت ضمائرهم ، وصاروا كذابين يكذبون على الله تعالى ، وعلى الناس ، فيغيرون معاني التنزيل ، ويزيدون فيه وينقصون على حسب هواهم وشهواتهم ، وارتكبوا بهتانا عظيما . ومع التحريف الذي قصدوه ، وشوهوا به التوراة التي نزلت على رسولهم قال الله تعالى عنهم : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ والنسيان معناه الترك ، أو الغفلة عنه . وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني ما نصه : « النسيان ترك الإنسان ما استودع إما لضعف قلبه ، وإما عن غفلة ، وإما عن قصد ، حتى ينحذف عن القلب ذكره » وهذا يستفاد منه أن النسيان ترك عن غفلة أو ترك عن قصد ، وقد يكون النسيان سببه أمر خارج عن إرادة الناس ، كأن يخفى عدو قاهر ما عند الشخص فيتركه مكرها . وقد كان عند اليهود - قبحهم الله - الأنواع الثلاثة ، فهم قد أصابتهم الغفلة عن كتابهم بسبب فساد قلوبهم ، وهم قد تركوا بعضه ، وجعلوه مهجورا ؛ لأنه لا يتفق مع أهوائهم ، وقد نزل بهم من الشدائد ما ضيع كتبهم ، ولم يبق منها إلا القليل ، كما فعل ذلك بختنصر معهم ، حتى إذا عاد جمعهم لم يبق من كتبهم إلا متناثرا ، لا يكون مجموعا متناسقا .